محمد الغزالي
159
خلق المسلم
إن صحة الأجسام وجمالها ونضرتها من الأمور التي وجّه الإسلام إليها عناية فائقة ، واعتبرها من صميم رسالته ، ولكن يكون الشخص راجحا في ميزان الإسلام ، محترم الجانب إلا إذا تعهد جسمه بالتنظيف والتهذيب ، وكان في مطعمه ومشربه وهيئته الخاصة بعيدا عن الأدران المكدرة والأحوال المنفرة ، وليست صحة الجسد وطهارته صلاحا ماديا فقط ، بل إن أثرها عميق في تزكية النفس ، وتمكين الإنسان من النهوض بأعباء الحياة . وما أحوج أعباء الحياة إلى الجسم الجلد والبدن القوي الصبور . كرم الإسلام البدن ، فجعل طهارته التامة أساسا لا بد منه لكل صلاة وجعل الصلاة واجبة خمس مرات في اليوم ، وكلف المسلم أن يغسل جسمه كله غسلا جيدا في أحيان كثيرة تلابسه غالبا ، وتلك هي الطهارة الكاملة ، وفي الأحوال المعتادة اكتفى بغسل الأعضاء والأطراف التي تتعرض لغبار الجو ، ومعالجة شتى الأشغال ، أو التي يكثر الجسم إفرازاته منها : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ ، وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ؛ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا . . . « 1 » . والطريقة التي شرعها الإسلام لإبقاء الجسم نظيفا في كل وقت تقوم على ربط الغسل الواجب بأحوال الطبيعة المادية في الإنسان . فلو كان الإنسان روحا فقط ما احتاج إلى متابعة الغسل والتنقية والتطهير ، أما وهو مستقر في هذا الغلاف المادي المتكون من تربة الأرض ، تلك الأرض التي يحيا فوقها ، ويتغذى من نباتها وحيوانها ، ويترك فضلات معدته فيها ، ويثوي آخر الأمر في ثراها - أما وهو كذلك ، فقد ناط الإسلام الوضوء المفروض بأعراض هذه الطبيعة المادية . وبكل ما ينشأ عن دورة الطعام في الجسم من نفايات وغازات . ولن يتخذ الإلزام بالتطهر طريقة ألصق وأقوم من هذه التي شرع الإسلام ، لأنها تجعل المرء يعاود الغسل والوضوء ولو كان نظيفا ، وهي من قبل
--> ( 1 ) المائدة : 6 .